سهيلة عبد الباعث الترجمان
202
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
عن شعوره لا مقررا لمذهب جديد . فلم يشهد في غيبته سوى اللّه ، ولم ير موجودا على الحقيقة إلّا اللّه ، ولأبي يزيد بعض العبارات التي يتمثل فيها مذهبه في الفناء وتتبلور نظريته في الوحدة كقوله : " خرجت من بايزيدتي ، كما تخرج الحية من جلدها ، ونظرت فإذا العاشق والمعشوق والعشق واحد لأن الكل في عالم التوحيد " « 1 » . إذن ما نوع الوحدة التي تكلم عنها أبو يزيد البسطامي ؟ هل هي وحدة وجود أم وحدة شهود ؟ وهل تأثر ابن عربي بها ؟ . الواقع أن الفناء عنده هو فناء عن الخلق وبقاء بالحق وشهود الحق ، وهذا النوع الأخير هو الذي ذكره القشيري وهو التوحيد الصوفي . ولكن الفناء الذي تحقق فيه أبو يزيد واعتبره الغاية القصوى في الحياة الصوفية قد فسّر تفسيرات أخرى . ولعب دوراها ما في تشكيل العقائد الصوفية من الأدوار التي مر بها التصوف فيما بعد . ومما يورده ابن عربي في باب التجلي الصمداني أن أبا يزيد في منزل الإنابة وهي التحقق بالجمعية الذاتية ولا تكون إلّا عن شهود فيقول : " فاعلم أن لهذا المنزل الإنابة ، وممن تحقق بها أبو يزيد البسطامي ، وهي الجمعية الذاتية ، ولا تكون للعارف من اللّه إلّا عن شهود محقق من خلف حجاب مظهر بشري ، واعلم أن القوم قد اصطلحوا على ألفاظ لمعان قرروها في نفوسهم يخاطبون بها بعضهم بعضا كما فعلت كل طائفة فيما تنتحله من العلوم كالنحويين وأصحاب العدد والمهندسين والأطباء والمتكلمين والفقهاء وغيرهم ، فمما اصطلحت عليه هذه الطائفة الهويّة والإنيّة والأنانية لأغراض في نفوسهم ، فهذا المنزل من ذلك منزل الإنابة . . . " « 2 » كما يعتبر علمه الذي ناله علما لدنيا لا اكتساب فيه فقال : " أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت ، فيحصل لصاحب الهمة في الخلوة مع اللّه ، وبه جلّت هبته وعظمت منّته من العلوم ما يغيب عندها كل متكلم على البسيطة بل كل صاحب نظر وبرهان ليست له هذه الحالة . . . " « 3 » ويمكن القول بأن وحدته كانت المقدمة الممتازة لفلسفة
--> ( 1 ) العطار ( فريد الدين ) تذكرة الأولياء ، مرجع السابق ، ص . ص 160 - 161 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 636 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، المقدمة ، ص 31 .